الشيخ محمد تقي الآملي

261

مصباح الهدى في شرح عروة الوثقى

الكلية لا بمعنى أنها كلي أي قابلة للصدق على الكثيرين ، إذ هي إرادة جزئية خارجية قائمة بالمريد ، بل بمعنى ان متعلقها كل ذو اجزاء ، مثل الحركة في المسافة المعينة المركبة من الخطوات ، والأكل عن مائدة معينة المركب من اللقمات ونحوهما ، ويعبر عن الإرادات المستتبعة المتعلقة بكل جزء جزء بالإرادات الجزئية بمعنى أنها متعلقة بجزء المراد وناشئة عن الإرادة التي متعلقة بالكل ، وتلك الإرادات مقدمية غيرية ناشئة عن الإرادة المتعلقة بالكل . ومن المعلوم إن نشوؤها منها متفرع على وجود منشأها وهو إرادة الكل إناطة وجود الفرع بالأصل ، فلا محالة يجب أن تكون إرادة الكل موجودة حين إرادة اجزائه بالإرادة الناشئة من إرادته لا بإرادة مستقلة أصلية ، لكن وجود إرادة الكل على نحوين تفصيلي وإجمالي ، مثل التفصيلي والإجمالي في الصور العلمية ، ففي التفصيلي منها يعلم الإرادة بنفسها وفي الإجمالي منها يعلم بآثارها ، فالاستدامة الحكمية عبارة عن كون صدور اجزاء المركب المراد عن إرادة جزئية تابعة لإرادة الكل مغترسة في النفس وإن كانت مذهولة عنها غير متوجه إليها في مقابل التوجه إليها وحضورها بذاتها لدى النفس ، حيث إن علم النفس بأفعالها وحالاتها وملكاتها حضوري لا حصولي فإرادة النفس بذاتها معلومة للنفس لا بصورتها ، وحيث إن العلم بالشيء مطلقا ولو كان حضوريا يكون إجماليا وتفصيليا فنفس الإرادة الموجودة للنفس التي هي علم ومعلوم للنفس قد تكون تفصيلا وقد تكون إجمالا . والمراد بكونها تفصيليا هو كونها بذاتها ملتفتا إليها ومتوجها إليها ، والمراد بكونها إجماليا هو كونها بآثارها التي هي الإرادات الجزئية المنبعث عنها متوجها إليها ، وهي موجودة مغترسة في النفس غير ملتفت إليها ، وإنما الالتفات إلى آثارها ، وهذا معنى الاستدامة الحكمية ، ومن المعلوم أن لازم الجري على آثار الإرادة إنما هي بقائها وإن لم تكن هي ملتفتا إليها ، وإنما يكشف عن ارتفاعها قصد خلافها . فالتعبير عن الاستدامة الحكمية بعدم قصد الخلاف لعله تعبير عن لازمها ، لا أنها بنفسها عبارة عن ذاك الأمر العدمي كما لا يخفى .